سيد محمد طنطاوي
225
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( غَزْلَها ) * اى : مغزولها ، فهو مصدر بمعنى المفعول . والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاي . . من باب ضرب . يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا . والجار والمجرور في قوله * ( مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ) * متعلق بالفعل * ( نَقَضَتْ ) * أي : نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه . و * ( أَنْكاثاً ) * حال مؤكدة من * ( غَزْلَها ) * ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت . والأنكاث : جمع نكث - بكسر النون - ، بمعنى منكوث أي منقوض ، وهو ما نقض وحل فتله ليغزل ثانيا ، والجمع أنكاث كحمل وأحمال . يقال : نكث الرجل العهد نكثا - من باب قتل - إذا نقضه ونبذه ، ومنه قوله - تعالى - فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِه . قال ابن كثير : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه . وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده . وهذا أرجح وأظهر سواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا « 1 » . والمعنى : كونوا - أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوها بعد إبرامها ، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء ، التي كانت تفتل غزلها فتلا محكما ، ثم تنقضه بعد ذلك ، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة . . فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتاثه في عقلها ، مضطربة في تصرفاتها . وقوله - سبحانه - : * ( تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ) * . إبطال للأسباب التي كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود . والدّخل - بفتح الخاء - : المكر والغش والخديعة . وهو في الأصل اسم للشيء الذي يدخل في غيره وليس منه . قال الراغب : والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدّغل ، وعن الدعوة في النسب . . . ومنه قيل : شجرة مدخولة - أي ليست من جنس الأشجار التي حولها « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 584 . ( 2 ) المفردات في غريب القرآن للراغب الاصفهاني ص 166 .